خليل الصفدي
102
أعيان العصر وأعوان النصر
وجدوه غريقا في البركة ، ودفن في مقابر باب النصر . وكان له من الرواتب في تلك الأيام ما يقارب الألفي درهم ، واجتهد بدهائه إلى أن جعل ذلك في جملة رواتب المماليك السلطانية ، حتى إن المستوفين لا يتعرضون له إذا عملوا استيمارا ، وكان الأمير سيف الدين أرغون النائب إذا رآه في القلعة يقول : ما أحسد إلا هذا الشيخ الذي له في كل شهر ألفا درهم ، وهو دائر بطال بلا شغل . وكان يحضر عند السلطان في سرياقوس ، يتكلّم بين يديه بالنفع والضر ، لمن يريد ؛ لأنه كان خبيرا بأخلاق الملوك ومخاطباتهم وسياساتهم ، قال لي من لفظه : أنا أتعيّش بين الناس ، وأتجود عندهم بكل جلسة أجلسها بسرياقوس عند السلطان عدة شهور . وكانت له خصوصية بالقاضي فخر الدين ناظر الجيش وبالقاضي علاء الدين بن الأثير كاتب السر ، ونفع جماعة ، وهو كان أحد من ساعد الخطيب جلال الدين القزويني على توليه قضاء القضاة بالشام وعلى الحضور إلى قضاء الديار المصرية . ودخل يوما إلى القاضي مجد الدين بن لفيتة ، وهو ناظر الدولة يطالبه بمرتبه ، وألحّ عليه ، وزاد في الإبرام ، فقال له : يا مولانا ، كل شهر ألفا درهم ما تمهل علينا بشهر واحد ، فقال : يا مولانا هذه الألفان التي لي ما تكفي ، هذا عبدك الذي يحمل دواتك ، أن يشرب بها نبيذا ، فلم يجبه بكلمة ، وصرف له ما أراد . وكان إذا حضر عند فخر الدين ناظر الجيوش ، أخذ الورقة من يده ، ونتشها بعنف ورمى بها ، وقال : خلنا من هذا ، وتحدث بنا في شأننا . وكان شيخا تام القامة ، أعشى البصر قليلا ، ذا عمة صغيرة كأنها تخفيفة ، وكان لا يخاطب إلا بمولانا ، وكان يدعي أنه قرأ المنطق على الأثير الأبهري « 1 » . وكانت له دار مليحة على بركة الفيل ، وله أموال وجواهر نفيسة ، ورأيته يوما وقد دخل إلى الأمير شرف الدين حسين بن جندر بك ، وقد انقطع الأمير من وجع مفاصل كان يعتريه في رجليه ، وكان قد غاب عنه مدة ، فلما رآه مقبلا قال له : يا مولانا ، أين كنت في هذه الغيبة ، وا ويلاه من رجلك . وكان أصله بتلك البلاد يهوديا ثم أسلم ، ولما انفلج جاء إلى الشيخ شمس الدين محمد بن الأكفاني ، وقال لي : يا مولانا الآن ، كما أسلم شمس الدين العجمي ، فقلت له : كيف ذلك ، وهو قديم الإسلام ! فقال : لأن المسلمين سلموا من يده ولسانه - يعني
--> ( 1 ) الأثير الأبهري هو : أفير الدين بن المضل بن عمر ، المتوفى في سنة 663 ه . ( انظر : الأعلام : 7 / 279 ) .